ابن قيم الجوزية ( اختصار محمد بن الموصلي )

85

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق )

ويصرح في الفوقية بلفظها الخاص ، وبلفظ العلو والاستواء ، وأنه ( في السماء ) وأنه ( ذو المعارج ) وأنه ( رفيع الدرجات ) وأنه ( تعرج إليه الملائكة ) وتنزل من عنده ، وأنه ينزل إلى السماء الدنيا « 1 » ، وأن المؤمنين يرونه بأبصارهم عيانا من فوقهم « 2 » ، إلى أضعاف ذلك مما لو جمعت النصوص والآثار فيه لم تنقص عن نصوص الأحكام وآثارها . ومن أبين المحال وأوضح الضلال حمل ذلك كله على خلاف حقيقته وظاهره ، ودعوى المجاز فيه والاستعارة ، وأن الحق في أقوال النفاة المعطلين ، وأن تأويلاتهم هي المرادة من هذه النصوص ، إذ يلزم من ذلك محاذير ثلاثة لا بد منها ، وهي القدح في علم المتكلم بها ، أو في بيانه ، أو في نصحه . وتقرير ذلك أن يقال : إما أن يكون المتكلم بهذه النصوص عالما أن الحق في تأويلات النفاة المعطلين ، أو لا يعلم ذلك ؟ فإن لم يعلم ذلك كان ذلك قدحا في علمه . وإن كان عالما أن الحق فيها ؛ فلا يخلوا إما أن يكون قادرا على التعبير بعبارتهم التي هي تنزيه للّه بزعمهم عن التشبيه والتمثيل والتجسيم ، وأنه لا يعرف اللّه من لم ينزه اللّه بها ، أو لا يكون قادرا على تلك العبارة ؟ فإن لم يكن قادرا على التعبير بذلك لزم القدح في فصاحته . وكان ورثة الصابئة وأفراخ الفلاسفة ، وأوقاح المعتزلة والجهمية ، وتلامذة الملاحدة أفصح منه وأحسن بيانا وتعبيرا عن الحق وهذا مما يعلم بطلانه بالضرورة أولياؤه وأعداؤه وموافقوه ومخالفوه . فإن مخالفيه لم يشكوا أنه أفصح الخلق ، وأقدرهم على حسن التعبير بما يطابق المعنى ، ويخلصه من اللبس والإشكال ؛ وإن كان قادرا على ذلك ولم يتكلم به وتكلم دائما بخلافه ، كان ذلك قدحا في نصحه ، وقد وصف اللّه رسله بأنهم أنصح الخلق لأممهم ، فمع النصح والبيان والمعرفة التامة

--> ( 1 ) حديث النزول حديث متواتر له روايات كثيرة منها ما أخرجه البخاري ( 1145 ) ومسلم ( 758 ) وغيرهما من حديث أبي هريرة وورد من رواية علي بن أبي طالب ، وابن مسعود ، وجابر ، وأبي سعيد وغيرهم رضي اللّه عنهم أجمعين ، وانظر هذه الروايات مفصلة في كتاب « اجتماع الجيوش » للمصنف . ( 2 ) تقدم حديث الرؤية في الفصل الأول .